تقسيمُ الخَبَرِ المَقْبول إلى معمول به ، وغير معمول به
ينقسم الخَبَرُ المَقْبُولُ إلى قسمين : معمول به ، وغير معمول به ، وينبثق عن ذلك نوعان من أنواع علوم الحديث ، وهما : ( المُحْكم ومختلف الحديث » و « الناسخ والمنسوخ ) .
(1) المُحْكَمُ ، ومُخْتَلِفُ الحَدِيثِ
۱ - تعريفُ المُحْكَمِ :
. أ - لغة : هو اسم مفعول ، من ( أَحْكَمَ ) بمعنى أَتْقَنَ اصطلاحاً : هو الحديث المقبولُ الذي سَلِمَ من مُعارَضَهِ ب - مثله (1) . وأكثر الأحاديث من هذا النوع ، وأما الأحاديث المُتَعارِضَةُ المختلفة فهي قليلة جداً بالنسبة لمجموع
الأحاديث
۲ - تعريفُ مُخْتَلِفِ الحديث :
أ - لغة : هو اسم فاعل ، من ( الاخْتِلافِ ، ضد الاتفاق
ذو المُرادُ بمُخْتَلِفِ الحديث : الأحاديث التي تصلنا ،ويُخالِفُ بعضها بعضاً في المعنى ، أي يَتَضادَّانِ في المعنى
ب - اصطلاحاً : هو الحديث المَقْبُولُ المُعَارَضُ بِمِثْلِهِ ، مع إِمْكَانِ
الجمع بينهما (1)
أي هو الحديث الصحيح ، أو الحَسَنُ الذي يجيء حديث آخَرُ مِثْلُهُ فِي المَرْتَبَةِ والقُوَّةِ ، ويُناقِضُهُ في المعنى ظاهراً ، ويُمكن لأولي العِلْمِ والفَهْمِ الثاقب أَنْ يَجْمَعُوا بينَ مَدْلُولَيْهِمَا بِشَكْلٍ مَقْبُول
٣ - مثالُ المُخْتَلِفِ :
أ - حديثُ ( لا عَدْوَي ولا طِيَرَةَ (٢) ... » الذي رواه مسلم ، مع . ب - حديث ( فر من المَجْدُومِ (۳) فِرَارَكَ من الأسد ، اللذين
رواهما البخاري (٤)
فهذان حديثان صحيحان ، ظاهرهما التعارض ، لأنَّ الأول يَنْفِي العَدْوَى ، والثاني يُثْبِتُها . وقد جَمَعَ العلماء بينهما ، ووفقوا بين معناهما على وجوه متعددة ، أَذْكُرُ هنا ما اختاره
الحافظ ابنُ حَجِرٍ ، ومُفَادُهُ ما يلي :
٤ - كيفية الجَمْعِ بينهما :
وكيفية الجمع بين هذين الحديثين ، أَنْ يُقالَ : إِنَّ العَدْوَى مَنْفِيَّةٌ وغير ثابتة ، بدليل قوله : ( لا يُعْدِي شيء شيئاً ) (۱) وقوله لمن عارَضَهُ بِأَنَّ البَعيرَ الأَجْرَبَ يكون بين الإبل الصحيحة ، فيُخالطها ، فَتَجْرَبُ : ( فَمْن أَعْدَى الأَوَّلَ ؟ ) (۲) يَعْنِي : أَنَّ الله تعالى ابْتَدَأَ ذلك المَرْضَ في الثاني ، كما ابْتَدَأَه في الأول ( وأما الأمر بالفرار من المَجْدُومِ ، فَمِنْ بَابِ سَد الذرائع ، أَي لَيْلًا يَتَّفَقَ للشخص الذي يُخالِطُ ذلك المجذوم حصول شيءٍ له من ذلك المرض بتقدير الله تعالى ابتداء ، لا بالعَدْوَى المَنْفِيَّةِ . فيظنَّ أَنَّ ذلك كان بسبب مُخالطته له ، فيعتقد صحة العدوى ، فيقع في الإِثْمِ ، فأمر بتجنب المجذوم ، دَفْعاً للوقوع في هذا الاعتقاد الذي يسبب الوقوع في الإثم .
ه - ماذا يجب على مَنْ وَجَدَ حديثينِ مُتَعَارِضَيْنِ مَقْبولين ؟
عليه أن يَتَّبع المراحل الآتية :
أ - إذا أَمْكَنَ الجَمْعَ بينهما : تَعَيَّنَ الجَمْعُ ، ووجب العمل بهما .
ب - إذا لم يُمْكِنِ الجَمْعُ بوَجْه من الوجوه :
۱ - فَإِنْ عُلِمَ أَحَدُهما ناسخاً : قَدَّمْنَاهُ ، وَعَمِلْنَا به ، وتركنا
المنسوخ .
- وإن لم يُعْلَمْ ذلك : رَجَحْنا أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح التي تبلغ خمسين وجها أو أكثر ،
ثم عملنا بالراجح . ٣ - وإن لم يترجح أحدهما على الآخر - وهو نادر -
تَوَفَّفْنا عن العمل بهما حتى يَظْهَرَ لنا مُرَبِّحٌ
- أهميتُهُ وَمَنْ يَكْمُلُ له :
هذا العلم من أهم علوم الحديث ، إِذْ يُضطر إلى معرفيه جميع العلماء ، وإنّما يَكْمُلُ له ويَمْهَرُ فيه الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليونَ الغَوَّاصُونَ على المعاني الدقيقة ، وهؤلاء هم
الذين لا يُشْكِلُ عليهم منه إلا النادر . وتَعَارُضُ الأدلة قد شغل العلماء ، وفيه ظهرتْ مَوْهِبْتُهمْ وَدِقَةُ فهمهم ، وحُسْنُ اختيارهم . كما زَلَّتْ فِيهِ أَقدامُ مَنْ خَاضَ عِمَارَهُ
من بعض المُتَطَفِّلِينَ على مَوائِدِ العلماء .
- أشهرُ المُصنَّفاتِ فيه :
ا - اخْتِلافُ الحديث : للإمام الشافعي ، وهو أَوَّلُ مَنْ تكلم
ب تَأْوِيلُ مُخْتَلِفِ الحديث : لابن قُتَيْبَةَ ، الدِّينَوَرَي . ج - مُشكل الآثار : للطحاوي ، أبي جعفر أحمد بن سَلَامَة
وصَنَّف فيه